| 1 التعليقات ]

  بسم الله والحمد لله..

شاهدت منذ شهر تقريباً حلقة من برنامج آخر كلام استضاف فيها الإعلامي يسري فودة المخرج السينمائي خالد يوسف،وممثلاً عن الإخوان المسلمين،وممثلاً عن السلفيين؛ليناقشهم في موقفهم من النزول فيما سمي بجمعة الغضب الثانية.

وأجرى مقدم البرنامج مداخلة مع الدكتور عمار علي حسن شن الدكتور فيها هجوماً على موقف الإخوان المسلمين ؛لرفضهم النزول في تلك الجمعة،وربط ذلك بما وصفه بخلو الأجندة الإخوانية من الدفاع عن العدالة الاجتماعية.

ودافع المخرج خالد يوسف عن كلام الدكتور عمار قائلاً: الدكتور عمار دارس لتاريخ الإخوان المسلمين ووجد بالبحث أنهم لم يدعوا للعدالة الاجتماعية قط.

أدهشني من هذا الكلام ثلاثة أشياء :
الأول : جهل أو تجاهل الدكتور عمار علي حسن لكتاب الأستاذ سيد قطب : (العدالة الاجتماعية في الإسلام) وهو الكتاب الذي دشن –في نظر كثير من الباحثين- علاقة سيد قطب بالإخوان المسلمين،وظل من قوائم القراءة الثابتة عند الجماعة طوال تاريخها.

الثاني : اكتفاء الضيف الإخواني بالدفاع انطلاقاً من أن الإخوان يمارسون الدعوة لمفهوم العدالة الاجتماعية بالعمل وإن لم يذكروا المصطلح،غافلاً عن كتاب سيد قطب؛مما يزيد الشكوك حول الأهلية المعرفية،والقدرة الثقافية للإنتلجنسيا(النخبة المثقفة) في جميع التيارات المصرية.

الثالث : وهو موضوع هذا المقال أعني غفلة أو تغافل الدكتور عمار علي حسن عن موقف الليبرالية في صورتها العصرية من العدالة الاجتماعية،والذي هو موقف مناهض للدعوة لهذه العدالة ومحارب لها.

هل هو جهل من الدكتور عمار أم محاولة لإخفاء هذا الوجه من الليبرالية ؟

رموز الليبرالية الذين لا يعرضون منها سوى وجهها السياسي عن التعددية السياسية والديمقراطية وهي المجالات التي لا فضل لليبرالية فيها ويوافقهم عليها غيرهم ،لماذا لا يعرضون باقي الوجوه الخفية لليبرالية،خاصة الوجه الاقتصادي المتغول ؟

لماذا يكتفون باليوتوبيا السياسية التي يبشرون بها على أنها الليبرالية وفقط،ويمررون عبارات هائمة على استحياء من نحو : (اقتصاد السوق)،(السوق الحرة) ،لماذا لا يكونون أكثر صراحة ويظهرون للناس الوجه الاقتصادي لليبرالية في صورتها الجديدة آخر طبعة.

مرة أخرى : هل هو جهل بالليبرالية،أم محاولة لإخفاء هذا الوجه من الليبرالية؟

بالنسبة لي :أرى أن بعض مبشري الليبرالية جاهل بتبدياتها في غير المجال السياسي بالفعل ،أما الباقون فيعلمون حقيقة هذا الوجه ولكن يحرصون على إخفائه.

وبعضهم كالدكتور حازم الببلاوي يفر من هذا الوجه القبيح حتى يكاد ينسلخ في هذا الفرار من ليبراليته،ويوم سمى انسلاخه ليبرالية = وجد الرد من بعض المفكرين أن تلك ليبرالية بتأويل حازم اللببلاوي وليست ليبرالية الليبراليين.


ومعاً سنعري هذا الوجه عبر نصوص منظري الليبرالية المعاصرين فنقول :

ترتبط الليبرالية في نسختها المعاصرة ارتباطاً وثيقاً باقتصاديات السوق الحرة،وعولمة الشركات متعددة الجنسيات،ورأس المال المختنق في أوربا وأمريكا والباحث عن فرص للاستثمار في مجتمعات استهلاكية يزيدها فقراً ليزداد هو غنى.

وبدهي أن تحرص الليبرالية على رفع يد الدولة عن كافة النشاطات الاقتصادية،وأن تدعو لاكتفاء الدولة بدور شرطي السوق الحامي من السرقة والتهرب الضريبي دون أدنى تدخل لحماية التجارة أو الصناعة من حركة رأس المال الأجنبي،ودون أدنى تدخل لحماية المواطن أو دعم فرصه في تعليم أحسن أو نظام صحي أفضل،أو دعم للسلع الغذائية؛لأن هذه التدخلات من الدولة تخل بمبدأ تكافؤ الفرص وتساوي الناس أمام القانون !!

فالفقير والمحدود الدخل،لا ينبغي في نظر الليبرالية أن يحصل على أي فرصة لا يتم منحها للغني ،وأن ما يحصله الفقير ينبغي أن يكون نتاج عمله ومهاراته وأدواته فقط،وإن أدى ذلك لزيادة الفقراء فقراً والأغنياء غنى،وفضلاً عن تهاوي الأساس العلمي لهذه النظرية،والذي يكفي للتمثيل له : بتوضيح حقيقة أن للأغنياء فرصاً زائدة تميزهم عبر قدرة المال على صناعة القوانين والتأثير في الديموقراطية مما يعني أن الغني له فرص زائدة بمجرد حيازته للمال وازدياده غنى.

فضلاً عن هذا الخلل في دعوى أن تلك مساواة أمام القانون = فإن هذا التغول الاقتصادي ينسف أسس العدالة الاجتماعية من جذورها،ويرتكب في حقها جريمة قتل في وضح النار،ثم لا يستحون.

نعم. لا يستحي منظرو الليبرالية من التصريح بهذا وإليك أقوالهم :  

(1) يعنون فون هايك القسم الثاني من كتابه : (القانون والتشريع والحرية) بهذا العنوان : (سراب العدالة الاجتماعية) ويقول تحته : ((السياسات الاجتماعية التي تهدف إلى تقديم المساعدات والإعانات الاجتماعية لا ينبغي أن تكون سياسة للدولة،وما تقوم به المجتمعات الديموقراطية في هذا المجال لا يمكن أن يترتب عليه شيء سوى هدم مبدأ المساواة أمام القانون وإفساد النظام التلقائي للسوق)).

(2) ويقول فون هايك : ((مثال العدالة الاجتماعية مثال زائف ووهمي وسراب،وكل محاولة لتمريره إلى الوقائع يمكن أن تخلق ككابوساً)).

(3) ويقول روبرت نوزيك في كتابه : (الفوضوية والدولة والطوباوية) : ((ليس للدولة أن تتدخل في قطاعات الصحة والتعليم،فتلك من وظائف المجتمع المدني،والتدخلات الاجتماعية من جانب الدولة لا يمكن إلا أن تلحق أضراراً على المدى القصير والمتوسط)).

(4) ويقول نوزيك : ((إذا طلبت مني الحكومة أن أساهم في تقديم العون للمعوزين=فإنها بذلك تتصرف كما لو كانت مالكة لجزء من ذاتي وتكون قد اغتصبت حقي في امتلاكي لذاتي)).

ونتيجة لضغوط من مقيدي هذا الغلو من الليبراليين أمثال جون رولز الداعين لتقييد هذا التطرف بما أسماه العدالة والإنصاف = فقد قبلت الليبرالية بدعم المعوزين فقط في إطار الحصول على الضروري لبقائهم من غير أي تقييد للسوق يحافظ على ألا يزدادوا فقراً ،وقبل بعضهم بأن تنتج الدولة السلع والخدمات العامة كالتعليم والدفاع،فكان هذا أشبه بتعطف السيد وإلقائه للقيمات مكسورة للقط البائس المتمسح بذيل بنطاله.

تحديد أسعار السلع الضرورية ومنع المنتج أو التاجر من الحصول على أعلى سعر لها حفاظاً على الفقراء = هو في نظر هؤلاء استبداد وتقييد للحريات.

حماية المستهلك من المحتكرين،والحيلولة دون ولادة أحمد عز جديد = هي في نظر هؤلاء استبداد وتقييد للحريات.

أما وضع حد أدنى للأجور أو نظام للعمل يقيد سلطة أصحاب العمل على عمالهم = فهذا هو الاستبداد والقمع بعينه على قياس قول أولئك.

تقييد الصادرات والواردات،حتى لا نصدر الأرز لنستورد بدولاراته الشيكولاتة = في نظر هؤلاء تقييد للحرية وتخلف اقتصادي.

وكما يقول الدكتور جلال أمين عن هذه الليبرالية وسياساتها وحرياتها : (( الحرية تعبث بها الشركات الدولية العملاقة،وهذه الشركات تستخدم سياسي وجيوش دولها لخدمة هذا العبث بالحريات في الداخل والخارج،ونظام السوق الذي ينتشر تطبيقه،أكثر فأكثر،مع شيوع الاتجاه نحو الخصخصة،وفتح الأبواب على مصاريعها أمام تنقل السلع والخدمات ورءوس الأموال= يصبح أكثر توحشاً وقسوة في داخل الدول الصناعية وخارجها على السواء..ها هو شعار الحرية يستخدم للدفاع عن نمط للحياة تزدهر فيه مختلف صور القمع والقهر)).

والسؤال : لماذا تخفي الليبرالية وجهها الاقتصادي المتغول ؟!!

ولماذا يصمت الليبراليون المصريون تماماً فلا يوضحون لشعب مصر المسكين ماذا ينتظر اقتصادهم وماذا سيحصل لأرزاقهم إن كتب لليبرالية أن تكون نظاماً في مصر ؟!!


التعليقات : 1

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.