| 0 التعليقات ]







شبهة : الجن أتى بمثل القرآن
(الأنبياء أتوا بمثل القرآن ، والنملة أتت بمثل القرآن ، والهدهد كذلك و... إلخ)


وهذه الشبهة لمن أشدها استدعاء لأن أقلب كفي عجباً لما أصاب عقول القوم
والجدير بالذكر أن هذه الشبهة إنما قالها المدلس الأحمق الخبيث اللعين المسمى / زكريا بطرس وتلقفها من بعده عباده من النصارى الغافلين ممن ليس فيهم مسكة من عقل .







أبسط جواب على هذه الشبهة أننا نطالب مثيريها بأن يثبتوا لنا أن أنبياء الله عليهم السلام جميعاً ممن حكى القرآن أقوالهم كانوا يتكلمون العربية .


وأن يثبتوا أن النمل يتكلم العربية ، وأن الهدهد يتكلم العربية و.... إلخ .ما الأمر إذاً وما الرد العلمي السليم المفند لهذه الشبهة ؟!الأمر كله أن علماء اللغة يقسمون الدلالة أو التركيب إلى : تركيب سطحي ، وتركيب عميق أو دلالة سطحية ودلالة عميقة ، والتركيب العميق أو ( صوت الحس ) كما يسميه مصطفى صادق الرافعي رحمه الله هو المعول عليه في حكاية الله عن أنبيائه وعن النملة والهدهد والجن وما إلى ذلك .كيف ذلك ؟!حين نقرأ في القرآن : { قال ........... } وما يشبهها فيجب أن نضع نصب أعيننا أن هناك فرقاً بين نقل القول حكايةً ونقله مطابقة للمقول تماماً .. فالقرآن يحكي لنا أقوال هؤلاء لا ينقلها مطابقة كما قيلت وإلا لنقل لنا قول موسى عليه السلام مثلاً بالعبرية ، ولنقل لنا قول عيسى عليه السلام بالآرامية وما إلى ذلك .ولكن القرآن ينقل لنا أقوال هؤلاء حكايةً أو معنىً لا لفظاً فأما الكلام واللفظ والتركيب فهو من الله عز وجل .يقول شارح الطحاوية : (( وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ حِكَايَةً عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ - فَإِنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ إِخْبَارًا عَنْهُمْ ، وَكَلَامُ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ مَخْلُوقٌ ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُهُمْ )) .إذاً ما علاقة ذلك بما قلته من قبل عن الدلالة العميقة أو التكريب العميق أو صوت الحس ؟حين يحكي القرآن لنا أقوال هؤلاء فإنه ينقله بأسلوب يجري مجرى هذه الدلالة العميقة أي أنه يعبر عنه بالتعبير الذي يجري في نفس قائله ويقصُر عنه لسانه فلا يوفيه .. فالتعبير القرآني يفوق تعبير المتكلم نفسه عن مراده هو ، بحيث إنه لو قرأه أو أسمعه لوجده أبلغ أثراً وأشد إيضاحاً لما في نفسه وما يقصده عما عبر هو عنه فلو أراد أن يعبر هو عما في نفسه لما أتى بمثل ما أتى به القرآن .يقول الدكتور محمد عبدالله دراز في [ النبأ العظيم ، ص 96 ، حاشية رقم (1) ] : (( ولذلك كانت حكايات القرآن لأقوال المبطلين لا تقصر في بلاغتها عن سائر كلامه ، لأنها تصف ما في أنفسهم على أتم وجه )).ولربما يقرب المعنى ويبين المقصد ما رواه ابن هشام في سيرته من قول عمر عن أبي بكر عندما أراد أن يخطب في سقيفة بني ساعدة : (( والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري ، إلا قالها في بديهته ، أو مثلها أو أفضل حتى سكت )) .وكمثال واقعي لتقريب المعنى فأنت مثلاً حين يكون في نفسك شيء تريد أن تعبر عنه لكنك لا تجد لذلك سبيلاً ما ثم يأتي أحد أصدقائك مثلا بكلمة كأنه يساعدك على استخراج ما تريد أن تقول إذ بك تبادر بالموافقة على ما قال قائلا : بالضبط ، هذا ما قصدت قوله تماماً .وأختم بكلام لإمام الأدب العربي مصطفى صادق الرافعي متكلماً عن (صوت الحس) ومقارناً بين ما يتضمنه القرآن وما تضمنه كلام العرب منه : (( أما صوت الحس فقد خلت لغتهم من صريحه وانفرد به القرآن وقدكانوا يجدونه في أنفسهم منذ افتنوا في اللغة وأساليبها ولكنهم لا يجدون البيان به في ألسنتهم ، لأنه من الكمال اللغوي الذي تعاطوه ولم يُعْطَوْه ، وإنما كانوا يبتغون الحيلة إليه بألوان من العادات وضروب من التعبير النفسي ، إذا هي اتصلت بالحس البياني الذي ميزتهم به الفطرة أشبهت أن تكون استواء حسياً ، وبهذا خلص إليهم كلام شعرائهم وخطبائهم وبلغ من أنفسهم ومازجها وكان منها في محل وموقع ، على أننا نقرأ اليوم أكثره ولا نجده بتلك المنزلة .وإنما مثل ذلك كمن يفتتن بالجمال ، فهو إذا رأى الوجه الجميل كانت نظرته إليه كلاماً نفسياً لو جهد البلغاء جهدهم أن يحكموه بالعبارة كما هو في نفسه لأعيتهم وسائل البلاغة أن يمهدوا منها لهذه الحالة النفسية ، ولجاؤوا من كلامهم بالحس المغمور الذي لا يعدم بعض النقص والاضطراب مما حسبوه قد تكامل واستقر . وهذا مثال يطرد في كل ما أنت واجده من البلاغة العربية ، فلا ترى شيئاً منها يروعك ويملك عليك المذاهب من نفسك بالتئام أجزائه ورشاقة معرضه وحسن تصويره ، إلا وقعت منه على ضرب من الاستعانة بالخيال الشعري أو العادة الثابتة أو العاطفة المطمئنة أو نحوها ، والقرآن لا يستعين بشيء من ذلك في إحكام عبارتهعبارته والتأني بها إلى النفس وانتظام أسباب التأثير فيها ، وليس إلا أن تقرأه حتى تحس من حروفه وأصواتها وحركاتها ومواقع كلماته وطريقة نظمها ومداورتها للمعنى - بأنه كلام يخرج من نفسك ، وبأن هذه النفس قد ذهبت مع التلاوة أصواتاً ، واستحال كل ما فيك من قوة الفكر والحس إليها وجرى مجرى البيان ، فصرت كأنك على الحقيقة مطويٌ في لسانك )) اهــ . .. وقد استرسل إمام الأدب العربي في الكلام عن هذا لكن أردنا الاختصار ولمن شاء الاستزادة فليراجع كتابه ( إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ) .


التعليقات : 0

إرسال تعليق


أخي الكريم، رجاء قبل وضع أي كود في تعليقك، حوله بهذه الأداة ثم ضع الكود المولد لتجنب اختفاء بعض الوسوم.
الروابط الدعائية ستحذف لكونها تشوش على المتتبعين و تضر بمصداقية التعليقات.