‏إظهار الرسائل ذات التسميات رافعيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رافعيات. إظهار كافة الرسائل
| 0 التعليقات ]

يقولون: إن في شباب العرب شيخوخة الهمم والعزائم، فالشبان يمتدون في حياة الأمم وهم ينكمشون.
وإن اللهو قد خلف بهم حتى ثقلت عليهم حياة الجد، فأهملوا الممكنات فرجعت لهم كالمستحيلات.
وإن الهزل قد هون عليهم كل صعبة فاختصروها؛ فإذا هزءوا بالعدو في كلمة فكأنما هزموه في معركة...
وإن الشباب منهم يكون رجلا تامًا، ورجولة جسمه تحتج على طفولة أعماله.
ويقولون: إن الأمر العظيم عند شباب العرب ألا يحملوا أبدًا تبعة أمر عظيم.


***

ويزعمون أن هذا الشباب قد تمت الألفة بينه وبين أغلاطه، فحياته حياة هذه الأغلاط فيه.
وأنه أبرع مقلد للغرب في الرذائل خاصة؛ وبهذا جعله الغرب كالحيوان محصورًا في طعامه وشرابه، ولذاته.
ويزعمون أن الزجاجة من الخمر تعمل في هذا الشرق المسكين عمل جندي أجنبي فاتح...
ويتواصون بأن أول السياسة في استعباد أمم الشرق، أن يترك لهم الاستقلال التام في حرية الرذيلة...
ويقولون: إنه لا بد في الشرق من آلتين للتخريب: قوة أوروبا، ورذائل أوروبا.

***

يا شباب العرب! من غيركم يكذب ما يقولون ويزعمون على هذا الشرق المسكين؟
من غير الشباب يضع القوة بإزاء هذا الضعف الذي وصفوه لتكون جوابا عليه؟
من غيركم يجعل النفوس قوانين صارمة، تكون المادة الأولى فيها: قدرنا لأننا أردنا؟
ألا إن المعركة بيننا وبين الاستعمار معركة نفسية، إن لم يقتل فيها الهزل قتل فيها الواجب!
والحقائق التي بيننا وبين هذا الاستعمار إنما يكون فيكم أنتم بحثها التحليلي، تكذب أو تصدق.

***

الشباب هو القوة؛ فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله.
وفي الشباب نوع من الحياة تظهر كلمة الموت عنده كأنها أخت كلمة النوم.
وللشباب طبيعة أول إدراكها الثقة بالبقاء، فأول صفاتها الإصرار على العزم.
وفي الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة أثمارها؛ وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلها وإلا خشبا...
يا شباب العرب! اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزًا، وإما أن تموتوا.

***

أنقذوا فضائلنا من رذائل هذه المدينة الأوروبية، تنقذوا استقلالنا بعد ذلك، وتنقذوه بذلك.
إن هذا الشرق حين يدعو إليه الغرب؛ "يدعو لمن ضره أقرب من نفعه؛ لبئس المولى ولبئس العشير".
لبئس المولى إذا جاء بقوته وقوانينه، ولبئس العشير إذا جاء برذائله وأطماعه.
أيها الشرقي! إن الدينار الأجنبي فيه رصاصة مخبوءة، وحقوقنا مقتولة بهذه الدنانير.
أيها الشرقي! لا يقول لك الأجنبي إلا ما قال الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22].

***

يا شباب العرب! لم يكن العسير يعسر على أسلافكم الأولين، كأن في يدهم مفاتيح من العناصر يفتحون بها.
أتريدون معرفة السر؟ السر أنهم ارتفعوا فوق ضعف المخلوق، فصاروا عملا من أعمال الخالق.
غلبوا على الدنيا لما غلبوا في أنفسهم معنى الفقر، ومعنى الخوف، والمعنى الأرضي.
وعلمهم الدين كيف يعيشون باللذات السماوية التي وضعت في كل قلب عظمته وكبرياءه.
واخترعهم الإيمان اختراعا نفسيا، علامته المسجلة على كل منهم هذه الكلمة: لا يذل.

***

حين يكون الفقر قلة المال، يفتقر أكثر الناس، وتنخذل القوة الإنسانية، وتهلك المواهب.
ولكن حين يكون فقر العمل الطيب، يستطيع كل إنسان أن يغتني، وتنبعث القوة وتعمل كل موهبة.
وحين يكون الخوف من نقص هذه الحياة وآلامها، تفسر كلمة الخوف مائة رذيلة غير الخوف.
ولكن حين يكون نقص الحياة الآخرة وعذابها، تصبح الكلمة قانون الفضائل أجمع.
هكذا اخترع الدين إنسانه الكبير النفس الذي لا يقال فيه: انهزمت نفسه.

***

يا شباب العرب! كانت حكمة العرب التي يعملون عليها: اطلب الموت توهب لك الحياة.
والنفس إذا لم تخش الموت كانت غريزة الكفاح أول غرائزها تعمل.
وللكفاح غريزة تجعل الحياة كلها نصرا، إذ لا تكون الفكرة معها إلا فكرة مقاتلة.
غريزة الكفاح يا شباب، هي التي جعلت الأسد لا يسمن كما تسمن الشاة للذبح.
وغذا انكسرت يوما، فالحجر الصلد إذا ترضرضت منه قطعة كانت دليلا يكشف للعين أن جميعه حجر صلد.

***

يا شباب العرب! إن كلمة "حقي" لا تحيا في السياسة إلا إذا وضع قائلها حياته فيها.
فالقوة القوة يا شباب! القوة التي تقتل أول ما تقتل فكرة الترف والتخنث.
القوة الفاضلة المتسامية التي تضع للأنصار في كلمة "نعم" معنى نعم.
القوة الصارمة النفاذة التي تضع للأعداء في كلمة "لا" معنى لا.
يا شباب العرب اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزا، وإما أن تموتوا

__________

وددت لو قد قال رحمه الله : يا شباب الإسلام يبعد بهم عن العصبية الجاهلية ويدخلهم تحت مسمى قوله تعالى
" هو سماكم المسلمين " ، ويجعل في قلوبهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى "
لكن الرافعي - يرحمه الله - معذور في ذلك ، وربما أداه إليه شدة رياح التغريب في عصره والحرب على العربية ، وقد كان نعم المدافع عنها والمقاتل تحت رايتها .أسامة.

________________________

(*) أنشأها في إبان ثورة فلسطين لحقها سنة 1936.
» تابع القراءة

| 1 التعليقات ]


قال كليلة وهو يعظ دمنة ويحذره ، ويقضي حق الله فيه : " وأنت يا دمنةُ ما دمتَ على اجتراحك الرأيَ من الهوى ، واستفراغك الحيلة فيه ، فلو مددت إلى رأيك بكل سبب ، وسلكت في تحقيقه كل سبيل ، وتزلّفت إلى كل حجة ؛ ما أدناك ذلك إلى الحق إلا كما يدنو باسط كفه إلى الشمس يظن أنه بالغها ! وقمتَ منه مقام الهجيريين من الساقي "

قال دمنة : " وكيف كان ذلك ؟ "

قال : " زعموا أن قوماً بأرض كذا أصابهم القحط ، وأُخذوا بالسنين ، فأجدبت الأرض وأجهمت السماء ، وعرفتهم الشمس ، وأنكرهم الغيث ، وأمحلت الدور ، وتعاسر الناس ... وطال عليهم الأمد ، فالتمسوا ساقياً فأصابوه ، فتولوا إليه ، ما شاءوا من شيء إلا وجدوه عنه ، فهم يرِدونه خفافاً ويصدرون عنه ثقالاً .. "

قال : " وكان في المدينة رهط يقال لهم : (الهجيريون) ، تستنبتهم الشمس كما يستنبت الماء الزرع ، فليست تطلع إلا عليهم ، وتغرب وليس في ناديها منهم أحد ، وجعلت فيهم بعضاً من معانيها ، فكانوا سود الوجوه ، غلاظ القلوب ، تضطرم سرائرهم اضطرام التنور .

وغاظهم ما كان من تولي الناس عنهم ، وإقبالهم على الساقي ، فذهبوا في ذلك مذاهب شتى ، ومشوا في الناس يريدون أن يصرفوا قلوبهم عنه ، فقال بعضهم في الماء الذي يحمله : " آسنٌ لا يلبث أن يفسد بطونكم " ، والناس بعدُ منه في صحة وإلى عافية ، وقال بعضهم : " إنه غريب يوشك أن يحل بكم طائره ! " فقال الناس : " بل اطيرنا بكم وبمن معكم ، وإن أنتم مما نزل بهذه الأرض إلا لكالتاريخ من الحادثات لا تُعرف إلا به ولا يُعرف إلا بها " ..

فلما استيئسوا منهم خلصوا نجيًّا ، قال كبيرهم : " لقد - والله - جئتكم بآبدة لا جرم تفضّهم عنه انفضاض الموجب عن الموجب والسالب عن السالب ، فيوشك أن يخزى بها عدوكم ، فاحفظوها مني واجعلوها حديث نواديكم وأسماركم ، واسعوا بها في الناس فعسى أن تتعلقها قلوبهم فتضرب بينها وبينه ، ثم لا يكون لها عنكم حول ، ويبعث الله بها غابر ملككم ، وقد قالت الحكماء : .... "

فقطعوا عليه وقالوا : " أقصر ، وائتنا بما نقول نحن .. "

قال : " قولوا : إنه يستغل الماء ... ! "
» تابع القراءة

| 1 التعليقات ]






وقفت عند قوله صلى الله عليه وسلم: "إن قوما ركبوا في سفينة، فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس فقالوا: ما تصنع؟ قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت! فإن أخذوا على يده نجا و نجوا، و إن تركوه هلك و هلكوا..
فكان لهذا الحديث في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر و يسمون أنفسهم بالمجددين، و ينتحلون ضروبا من الأوصاف: كحرية الفكر و الغيرة، و الإصلاح، و لا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا و أخلاقنا و آدابنا بفأسه، أي بقلمه.. زاعما أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع فيها ما يشاء و يتولاه كيف أراد، موجها لحماقته وجوها من المعاذير و الحجج، من المدنية و الفلسفة، جاهلا أن القانون في السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه كما يُحكم على الأعمال الأخرى، بل قبل وقوعه؛ و العقاب لا يكون على الجرم يقترفه المجرم كما يعاقب اللص و القاتل و غيرهما، بل على الشروع فيه، بل على توجه النية إليه، فلا حرية هنا في عمل يُفسد خشب السفينة أو يمسه من قرب أو بعد، ما دامت ملجِّجة في بحرها، سائرة إلى غايتها، إذ كلمة ( الخرق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، و هناك لفظة ( أصغر خرق) ليس لها إلا معنى واحد و هو ( أوسع قبر)...
ففكِّر في أعظم فلاسفة الدنيا مهما يكن من حريته و انطلاقه، فهو ههنها محدود على رغم أنفه بحدود من الخشب و الحديد تفسيرها في لغة البحر حدود الحياة و المصلحة و كما أن لفظة ( الخرق) يكون من معانيها في البحر القبر و الغرق و الهلاك، فكلمة ( الفلسفة) يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة و الغفلة و البلاهة، و كلمة الحرية يكون من معانيها الجناية و الزيغ و الفساد ، و على هذا القياس اللغوي القلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس، و الكاتب من معانيه المخرِّب، و الكتابة من معانيها الخيانة..
» تابع القراءة