‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أدب. إظهار كافة الرسائل
| 0 التعليقات ]

آه يا سورية! أين رحتُ لا ينفك طيفك عني فلا يزال يغري بك آلامي ويثخنني جراحاً .. وعزاء هذا القلب أن جراحه إنما هي فيكِ فلا سَلَت عنكِ القلوب .. !

ما أجهلك أيها الظالم تظن أن شرارة بارود قد تطفئ في الناس لهيب الكرامة! بل ما أكفرك تظن أن صوت مدفع قد يحجب عن سمع الله دعاء مظلوم .. !

كذا تصغر نفس الجبار حتى إن أعظم الخطر وأكبر الذل عندها لا يكون إلا من حياة طفل! لذا أراد فرعون ليقتل موسى في بطن أمه جنينا .. !

إن نفسا تزهقها أيها الطاغية هي عمر ينضاف إلى عزمنا. عمر حسابه ليس بالسنين ولكن حسابه كؤوس الحنظل والعلقم نذيقها لك ومن ورائها نار تلظى

لكم الله أهلنا في سورية! لكم الله ومن بعده دموع في عيون جازعة ونحيب من قلب مكلوم .. ! وألسنة عجزى لا تملك إلا الدعاء .. !

أما والله ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ولكنك يا قلب تفتأ تجعل لي من كل معنى من معاني الحزن في هذا الوجود قلبا ينبض به؛ حتى لو قد قيل ما مثلك في القلوب لقلت: قلب سورية .. ! سورية .. ! آه يا سورية .. !

الثورة السورية جعلت لكل إنسان في هذا العالم مرآة من نفسه أوقفته أمامها ثم .. ثم نزعت عنه ما يستر سوءته .. !

بين محنتي سوريا وليبيا ، علمتنا أمريكا أن من الشعوب من تنزف جراحاتها دماً ، ومنها من تنزف جراحاتها بترولاً .. !

هب المسلمين قوة عظمى واستغاثهم شعب على طاغية يستبد فيهم ويسومهم الخسف والذل أكان يسعهم الانصراف عنهم؟! إذاً لقد انصرفت عنهم خيريتهم في الأمم .. !

فهموا الطغاة أن أرض الحرية لا يستنبتها الماء وإنما يستنبتها الدم وأن كل قطرة من دم تستنزف ليست إلا نبتة تستزرع ثم نادوا فيهم: قَرُب الحصاد .. !

يقتل الطفل ليزع في الشاب معاني الرجولة! أيها الطاغية المسكين! قد استزرع الشباب معانيها في نفوسهم وسقوها بدمائهم فإما أنت وإما هم .. !

إن الأرض التي سقتها دماء الأحرار هي أرض حرة يأبى الدم فيها أن يسكن من تحت أقدام ذابحهم .. ! لتميدن من تحتك الأرض .. فارتقب .. !

ماذا لو كانت سوريا‏ تعوم على بحر من البترول؟ ما أكثر السابحين حينئذ !!!

كانت نصرة المسلمين إخوانهم فيما سلف بالمال والنفس .. واليوم يستنصرونهم إخوانهم فلا يكون نصرهم إلا أحرفا تشهد على عجزهم وخوارهم .. !

أصبحت الحدود التي تفصل بين الإخوان حُجباً تضرب على القلوب فهي منها إلى غور سحيق من التبلد لا يبلغ إليه صراخ أمة من الأطفال تُذبح .. !

يوم الناس في غير سورية نهار يعقبه ليل، ويوم الناس في سورية دم ينضحه دم .. !

يد الإنسانية شلاء في سورية .. إذ كانت لا تقدر أن تحمل إلا براميل النفط .. !

في الطفل تكون المعاني خالصة لم تدركها يد الحياة بسوء ولم تعمل فيها عوامل الاجتماع بشائبة، بل تخرجها يد البراءة كأنها آية وحدها .. ولذا فإن أخوف ما يخاف الطاغية أن يدرك الطفل معنى من معاني الرجولة فيستنبتها قلبه وينشأ عليها ففي ذلك هلاك ملكه وزوال أمره .. !

إن الحادثات تنشئ الإنسان نشأة أخرى، لا نشأة اللحم والدم، ولكن نشأة العصب يقدحه لهيب العزة وأوار الكرامة .. ولذلك كان الطغاة أشد الناس غفلة وأكبرهم حمقاً إذ كانوا لا يزدادون طغيانا وخسفا إلا ازدادت شعوبهم صدودا منهم ومنَعَة .. فليس يستوى في معاني الرجولة أو يستقيم في ميزانها من نبت قلبه في مواطن العزيمة ومراقي الكفاح ومن نشأ على الترف المتأنث والرفه المتخنث !

أمّة سراب! يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ليجلو منه صدأ أو يروي فيه غلّةً لم يجده شيئاً! تعساً لأمة السراب! ألا تعساً لها ثم تعساً! ناموا ملء جفونكم! ناموا ما وسعتكم دنيا أحلامكم من النوم! واطمئنوا في نومكم فلن يجاوز الصمم في آذانكم عويلُ ثكلى أو صراخ يتيم! ألا بُعدا لكم!
بصطرخون ثم لا تجيبهم منا سوى كلمات هي أشد عليهم من مدفع يقصفهم أو رصاصة تقتلهم إذ ليس فيها إلا معاني الذلة والوهن والخذلان! أفٍّ لنا ثم أفّ

ما قيمة الكلمة وقد انقطع أثرها وعادت فراغا من معناها؟ هذا موضع لا تدفع فيه الكلمة صائلا أو ترد باغيا! عدونا يرمينا بالمدافع فنجيبه بالألسنة!
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

يقولون: إن في شباب العرب شيخوخة الهمم والعزائم، فالشبان يمتدون في حياة الأمم وهم ينكمشون.
وإن اللهو قد خلف بهم حتى ثقلت عليهم حياة الجد، فأهملوا الممكنات فرجعت لهم كالمستحيلات.
وإن الهزل قد هون عليهم كل صعبة فاختصروها؛ فإذا هزءوا بالعدو في كلمة فكأنما هزموه في معركة...
وإن الشباب منهم يكون رجلا تامًا، ورجولة جسمه تحتج على طفولة أعماله.
ويقولون: إن الأمر العظيم عند شباب العرب ألا يحملوا أبدًا تبعة أمر عظيم.


***

ويزعمون أن هذا الشباب قد تمت الألفة بينه وبين أغلاطه، فحياته حياة هذه الأغلاط فيه.
وأنه أبرع مقلد للغرب في الرذائل خاصة؛ وبهذا جعله الغرب كالحيوان محصورًا في طعامه وشرابه، ولذاته.
ويزعمون أن الزجاجة من الخمر تعمل في هذا الشرق المسكين عمل جندي أجنبي فاتح...
ويتواصون بأن أول السياسة في استعباد أمم الشرق، أن يترك لهم الاستقلال التام في حرية الرذيلة...
ويقولون: إنه لا بد في الشرق من آلتين للتخريب: قوة أوروبا، ورذائل أوروبا.

***

يا شباب العرب! من غيركم يكذب ما يقولون ويزعمون على هذا الشرق المسكين؟
من غير الشباب يضع القوة بإزاء هذا الضعف الذي وصفوه لتكون جوابا عليه؟
من غيركم يجعل النفوس قوانين صارمة، تكون المادة الأولى فيها: قدرنا لأننا أردنا؟
ألا إن المعركة بيننا وبين الاستعمار معركة نفسية، إن لم يقتل فيها الهزل قتل فيها الواجب!
والحقائق التي بيننا وبين هذا الاستعمار إنما يكون فيكم أنتم بحثها التحليلي، تكذب أو تصدق.

***

الشباب هو القوة؛ فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله.
وفي الشباب نوع من الحياة تظهر كلمة الموت عنده كأنها أخت كلمة النوم.
وللشباب طبيعة أول إدراكها الثقة بالبقاء، فأول صفاتها الإصرار على العزم.
وفي الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة أثمارها؛ وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلها وإلا خشبا...
يا شباب العرب! اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزًا، وإما أن تموتوا.

***

أنقذوا فضائلنا من رذائل هذه المدينة الأوروبية، تنقذوا استقلالنا بعد ذلك، وتنقذوه بذلك.
إن هذا الشرق حين يدعو إليه الغرب؛ "يدعو لمن ضره أقرب من نفعه؛ لبئس المولى ولبئس العشير".
لبئس المولى إذا جاء بقوته وقوانينه، ولبئس العشير إذا جاء برذائله وأطماعه.
أيها الشرقي! إن الدينار الأجنبي فيه رصاصة مخبوءة، وحقوقنا مقتولة بهذه الدنانير.
أيها الشرقي! لا يقول لك الأجنبي إلا ما قال الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22].

***

يا شباب العرب! لم يكن العسير يعسر على أسلافكم الأولين، كأن في يدهم مفاتيح من العناصر يفتحون بها.
أتريدون معرفة السر؟ السر أنهم ارتفعوا فوق ضعف المخلوق، فصاروا عملا من أعمال الخالق.
غلبوا على الدنيا لما غلبوا في أنفسهم معنى الفقر، ومعنى الخوف، والمعنى الأرضي.
وعلمهم الدين كيف يعيشون باللذات السماوية التي وضعت في كل قلب عظمته وكبرياءه.
واخترعهم الإيمان اختراعا نفسيا، علامته المسجلة على كل منهم هذه الكلمة: لا يذل.

***

حين يكون الفقر قلة المال، يفتقر أكثر الناس، وتنخذل القوة الإنسانية، وتهلك المواهب.
ولكن حين يكون فقر العمل الطيب، يستطيع كل إنسان أن يغتني، وتنبعث القوة وتعمل كل موهبة.
وحين يكون الخوف من نقص هذه الحياة وآلامها، تفسر كلمة الخوف مائة رذيلة غير الخوف.
ولكن حين يكون نقص الحياة الآخرة وعذابها، تصبح الكلمة قانون الفضائل أجمع.
هكذا اخترع الدين إنسانه الكبير النفس الذي لا يقال فيه: انهزمت نفسه.

***

يا شباب العرب! كانت حكمة العرب التي يعملون عليها: اطلب الموت توهب لك الحياة.
والنفس إذا لم تخش الموت كانت غريزة الكفاح أول غرائزها تعمل.
وللكفاح غريزة تجعل الحياة كلها نصرا، إذ لا تكون الفكرة معها إلا فكرة مقاتلة.
غريزة الكفاح يا شباب، هي التي جعلت الأسد لا يسمن كما تسمن الشاة للذبح.
وغذا انكسرت يوما، فالحجر الصلد إذا ترضرضت منه قطعة كانت دليلا يكشف للعين أن جميعه حجر صلد.

***

يا شباب العرب! إن كلمة "حقي" لا تحيا في السياسة إلا إذا وضع قائلها حياته فيها.
فالقوة القوة يا شباب! القوة التي تقتل أول ما تقتل فكرة الترف والتخنث.
القوة الفاضلة المتسامية التي تضع للأنصار في كلمة "نعم" معنى نعم.
القوة الصارمة النفاذة التي تضع للأعداء في كلمة "لا" معنى لا.
يا شباب العرب اجعلوا رسالتكم: إما أن يحيا الشرق عزيزا، وإما أن تموتوا

__________

وددت لو قد قال رحمه الله : يا شباب الإسلام يبعد بهم عن العصبية الجاهلية ويدخلهم تحت مسمى قوله تعالى
" هو سماكم المسلمين " ، ويجعل في قلوبهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى "
لكن الرافعي - يرحمه الله - معذور في ذلك ، وربما أداه إليه شدة رياح التغريب في عصره والحرب على العربية ، وقد كان نعم المدافع عنها والمقاتل تحت رايتها .أسامة.

________________________

(*) أنشأها في إبان ثورة فلسطين لحقها سنة 1936.
» تابع القراءة

| 1 التعليقات ]


قال كليلة وهو يعظ دمنة ويحذره ، ويقضي حق الله فيه : " وأنت يا دمنةُ ما دمتَ على اجتراحك الرأيَ من الهوى ، واستفراغك الحيلة فيه ، فلو مددت إلى رأيك بكل سبب ، وسلكت في تحقيقه كل سبيل ، وتزلّفت إلى كل حجة ؛ ما أدناك ذلك إلى الحق إلا كما يدنو باسط كفه إلى الشمس يظن أنه بالغها ! وقمتَ منه مقام الهجيريين من الساقي "

قال دمنة : " وكيف كان ذلك ؟ "

قال : " زعموا أن قوماً بأرض كذا أصابهم القحط ، وأُخذوا بالسنين ، فأجدبت الأرض وأجهمت السماء ، وعرفتهم الشمس ، وأنكرهم الغيث ، وأمحلت الدور ، وتعاسر الناس ... وطال عليهم الأمد ، فالتمسوا ساقياً فأصابوه ، فتولوا إليه ، ما شاءوا من شيء إلا وجدوه عنه ، فهم يرِدونه خفافاً ويصدرون عنه ثقالاً .. "

قال : " وكان في المدينة رهط يقال لهم : (الهجيريون) ، تستنبتهم الشمس كما يستنبت الماء الزرع ، فليست تطلع إلا عليهم ، وتغرب وليس في ناديها منهم أحد ، وجعلت فيهم بعضاً من معانيها ، فكانوا سود الوجوه ، غلاظ القلوب ، تضطرم سرائرهم اضطرام التنور .

وغاظهم ما كان من تولي الناس عنهم ، وإقبالهم على الساقي ، فذهبوا في ذلك مذاهب شتى ، ومشوا في الناس يريدون أن يصرفوا قلوبهم عنه ، فقال بعضهم في الماء الذي يحمله : " آسنٌ لا يلبث أن يفسد بطونكم " ، والناس بعدُ منه في صحة وإلى عافية ، وقال بعضهم : " إنه غريب يوشك أن يحل بكم طائره ! " فقال الناس : " بل اطيرنا بكم وبمن معكم ، وإن أنتم مما نزل بهذه الأرض إلا لكالتاريخ من الحادثات لا تُعرف إلا به ولا يُعرف إلا بها " ..

فلما استيئسوا منهم خلصوا نجيًّا ، قال كبيرهم : " لقد - والله - جئتكم بآبدة لا جرم تفضّهم عنه انفضاض الموجب عن الموجب والسالب عن السالب ، فيوشك أن يخزى بها عدوكم ، فاحفظوها مني واجعلوها حديث نواديكم وأسماركم ، واسعوا بها في الناس فعسى أن تتعلقها قلوبهم فتضرب بينها وبينه ، ثم لا يكون لها عنكم حول ، ويبعث الله بها غابر ملككم ، وقد قالت الحكماء : .... "

فقطعوا عليه وقالوا : " أقصر ، وائتنا بما نقول نحن .. "

قال : " قولوا : إنه يستغل الماء ... ! "
» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

لا أخفي عليكم إخوتي ، فقد كانت فترة الثانوية العامة لديّ أغزر فترات إبداعي الأدبي ، ولكم كتبت الكثير شعراً ونثراً ، ولكم ضاع مما كتبت الكثير شعراً ونثراً !

لكن رماني النت اليوم من حيث لا أدري ولا أحتسب على موضوع في منتدى آخر كنت كتبت فيه بعضاً مما جادت به عليّ قريحتي في تلكم الفترة ، وما أذكر عنه أني كتبتها في الصف الثاني الثانوي ، وقد كنت أغني فيها على ليلاي ! 

هي خاطرة أُلهمتها في ليل واحد ، وقد كانت طويلة جداً ولم يسعفني الوقت أن أكتبها كلها في هذا المنتدى فقسمتها على أجزاء ، وقد كانت كلها على الورق لكن ضاع كما ضاع معظم إنتاجي الآخر .. ولم أجد في ذاك المنتدى سوى الجزء الأول منها .. إليكم :


" مِمَّنْ أَوْهَنَهُ الشّوْقْ ، وَ بَرَاهُ الْحَنِينْ ، وَ أَوْكَلَهُ إِلَى أَنِينٍ أَنِينْ .. 

يَشْتَكِي حَالَهْ .. وَ يَتَكَتَّمُ سُؤَالَهْ .. وَ يَتَكَبّلُ شِكَالَهْ * .. وَ يَسْتَرْضِي إِذْلَالَهْ ،،

إِلَيْكَ يَا مَن يَبْلُغُ النُّجُومَ وَ لَا يَبْلُغُهْ .. وَ يُدْرِكُ الْآفَاقَ وَ لَا يُدْرِكُهْ ، وَ يُسَابِحُ الْأَفْلَاكَ فِي عُلْيَاهاَ .. 

وَ الْأَسْمَاكَ فِي سُفْلَاهَا .. ثُمّ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ، فَلَا يَبْلُغُ هَنَةً مِنْ أَرَبِهِ إِلَيْك ،،
 

وَ قَدْ أَعْيَاهُ طُولُ التَّعَلُّلْ ، وَ عَنَّاهُ غَيْضُ التَّحَمُّلْ .. فَقَرَّ عَلَى مَضْجَعٍ مِنْ قَضِيضٍ ..

يُسَامِرُ ذِكْرَاهُ الْغَابِرَة، وَ غَزوَاتِهِ الثَّائِرَة، عَلَى حُصُونِ قِلِاعِك الْعَامِرَة .. 

إِلَى أَنْ فُتِحَتْ لَهُ الْأَبْوَابُ ، وَلَيْتَهَا لَمْ تُفْتَحْ،،
 

فَهَا هُوَ عَلَى مَضْجَعِهِ الْمُقِضّ ; يَشْكُو انْصِرَاماً بَعْدَ وَصْلْ ، وَ اسْتِقَاماً بَعْدَ فَصْلْ ..

مُتَرَبِّصاً خُبُوَّ الْأَمَدْ ، مُتَبَصِّراً دُنُوَّ الْأَفَدْ **

آَهٍ لَوْ تَدْرِينِي عَلَى مَضْجَعِي ذَاك .. 


وَقَد سَلَبَنِي إِيَّاك الْبُعْد ، وَ وَهَبَنِي إِيَّاك السُّهْد ، وَ بَرَّحَنِي عَلَيْك الْوَجْدْ "

_______________________
* الشكال : القيد .
** الأفد : الأجل أي الموت
» تابع القراءة

| 1 التعليقات ]






وقفت عند قوله صلى الله عليه وسلم: "إن قوما ركبوا في سفينة، فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس فقالوا: ما تصنع؟ قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت! فإن أخذوا على يده نجا و نجوا، و إن تركوه هلك و هلكوا..
فكان لهذا الحديث في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر و يسمون أنفسهم بالمجددين، و ينتحلون ضروبا من الأوصاف: كحرية الفكر و الغيرة، و الإصلاح، و لا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا و أخلاقنا و آدابنا بفأسه، أي بقلمه.. زاعما أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع فيها ما يشاء و يتولاه كيف أراد، موجها لحماقته وجوها من المعاذير و الحجج، من المدنية و الفلسفة، جاهلا أن القانون في السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه كما يُحكم على الأعمال الأخرى، بل قبل وقوعه؛ و العقاب لا يكون على الجرم يقترفه المجرم كما يعاقب اللص و القاتل و غيرهما، بل على الشروع فيه، بل على توجه النية إليه، فلا حرية هنا في عمل يُفسد خشب السفينة أو يمسه من قرب أو بعد، ما دامت ملجِّجة في بحرها، سائرة إلى غايتها، إذ كلمة ( الخرق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، و هناك لفظة ( أصغر خرق) ليس لها إلا معنى واحد و هو ( أوسع قبر)...
ففكِّر في أعظم فلاسفة الدنيا مهما يكن من حريته و انطلاقه، فهو ههنها محدود على رغم أنفه بحدود من الخشب و الحديد تفسيرها في لغة البحر حدود الحياة و المصلحة و كما أن لفظة ( الخرق) يكون من معانيها في البحر القبر و الغرق و الهلاك، فكلمة ( الفلسفة) يكون من بعض معانيها في الاجتماع الحماقة و الغفلة و البلاهة، و كلمة الحرية يكون من معانيها الجناية و الزيغ و الفساد ، و على هذا القياس اللغوي القلم في أيدي بعض الكتاب من معانيه الفأس، و الكاتب من معانيه المخرِّب، و الكتابة من معانيها الخيانة..
» تابع القراءة

| 1 التعليقات ]




الحمد لله وبعد ،
فهذا مبحث للشيخ المحدث : الشريف حاتم العوني يقرر فيه صحة مجيء ( واو العطف ) بعد ( بل ) خلافاً لمن زعم من اللغويين أن هذا الأسلوب لا يصح .

وهذا المبحث موجود في آخر شرح الشيخ لموقظة الإمام الذهبي ، الصادر عن دار ابن الجوزي .

*************

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ... أما بعد :

فقد قرأت لمن يخطيء هذا الأسلوب بحجة أن توالي حرفي عطف غير جائز ، و (بل ) حرف عطف ، والواو كذلك .
وهذا إنما يقولونه لأنهم لم يجدوا هذا الأسلوب في كلام من يُحتج بكلامه ، ولو وجدوه لأخرجوا له وجها صحيحاً في اللغة ; وهذا من الإنصاف !!!
لكني أبشر غير المحتج بكلامهم أن التخاريج ستكون حاضرة ، بعد أن يسمعوا قول مالك بن الريب ، كما في الأغاني لأبي الفرج ( 293/22 ) :

يَا عَامِلاً تَحتَ الظلام مَطيَّهُ *** مُتَخايِلاً لا بل وغيرَ مُخايل

وقال صريع الغواني مسلم بن الوليد ( ت208 هـ ) في ديوانه ( 328 ) :

مصيبة نزلت كأنها قذفت *** لا بل وقد فعلت في القلب بالنار

كما يقول أديب العربية الجاحظ في الحيوان ( 36/1 ) : " وكما عُلِّم النَّحْلُ ، بل وعُرِّفَ التُّنَوِّط من بديع المعرفة " .

ويقول العلامة اللغوي الأديب أبو القاسم الزجاجي ( ت337 هـ ) في أخباره ( 202 ) : " فإذا كان الثوب مُخَرَّقاً لا خلاقة ، قيل : ثوب مرق ، وسماميط ، ورعاهل ، بل ومُرَدَّم "

فهاتوا التخريج إذن .... والتخريج الذي أتبرع به عليكم ، أن هناك محذوفاً مقدراً ، هو الفعل : أضيف ، أو أزيدك ، أو نحوها .
فمالك بن الريب يقول : متخايلاً لا بل ( أضيف ) وغير مخايل ، أي : أضيف إلى ذلك قولي : ( وغير مخايل ) ، لأن ( بل ) إنما تكون حرف عطف إذا كان الذي يليها ليس جملة ، أ/ا إذا كان الذي يليها جملة فإنها تكون حرف ابتداء . وإن عددت ( بل ) حرف عطف فأنت على هذا التقدير لم توال بين حرفي عطف ; لمجيء الفعل بينها وبينها ( الواو ) .

فإن قيل : إنما نتكلف التخريج لمن يُحتج بكلامه ، أما غيره فليس أهلاً لذلك ، وإلا تكلفنا تخريج أخطاء العوام ولُكْن الأعجام .

أقول : هذا شطط من القول ، فلا نحن بالذين نطلب تخريج كلام الناس كله ، ولا نحن بالمعرضين عنه كله . وإلا فبالله عليك ( يا أخا العرب ) ألم يكن في العرب العرباء تأتاء واحد ، يوالي بين واوات العطف لا بين ( بل ) و ( الواو ) فقط ؟! ما بال هذا لم ينقل ، ولم يعد لغة ، ولو شاذة ؟! فدعك من الغلو في الحديث والبعد في ضرب الأمثال ، فمن يكلمك في أخطاء العوام ولكن الأعجام ؟!

ألم تسمع أنه كلام أحد من يُحتج بكلامهم ( وهو مالك بن الريب ) وكلام أحد فحول شعراء العصر العباسي الأول ، ( وهو صريع الغواني ) ، وهو كلام أديب العربية الأوحد : ( الجاحظ ) ، وهو كلام أحد أئمة اللغة : ( أبي القاسم الزجاجي ) .

ضابط الكلام الذي يُخرَّج حتى لمن لا يُحتج بكلامه ، أن ندرك من خلال اقتداره على الكلام أو الكتابة ، ومن خلال ما لديه من السليقة العربية = أنه لا يقع في ذلك الخطأ جهلاً أو عُجْمة .هنا يوجب عليك الإنصاف أن تخرج كلامه ، ولا يقول لك منصف حينها : إن هذا تكلف في الاعتذار عن الأخطاء .

فمثلاً : هؤلاء الذين والوا بين ( بل ) و ( الواو ) ، هل رأيتموهم والوا بين ( الواو ) و ( الواو ) ، أو بين ( الواو ) و ( الفاء ) ؟ لم فعلوا الأول ، ولم يفعلوا الثاني ؟!

بل تالله لو قرأت للجاحظ واواتٍ متوالية ، لما فهمتها إلا على وجه الصواب من الكلام . أرأيت لو قرأت للجاحظ قولاً يقول فيه : " لقد نُصح فلان ، وذكر ، و و فما تاب ولا عقل " ، ألم يكن الصواب فيه بلا إشكال أنه قدّر محذوفات ، وكان الأولى أ، يكتب كلامه هكذا : لقد نصح فلان ، وذكر ، و ..... ، و ..... ، فما تاب ولا عقل . بل مثل هذا لو صدر من عامي ، لا على وجه التأتأة والحصر ، لكان هذا هو وجه كلامه ، من غير تكلف في التخريج والتأويل ، بل هو أبعد عن التكلف من كثير من تخاريج أصحاب الشطط لبعض كلام من يُحتج بكلامه في الضرورات الشعرية وغيرها .

فالإنصاف الإنصاف يا معشر اللغويين !!

» تابع القراءة

| 1 التعليقات ]






بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ،،


كلنا يعلم أن (( رضى الناس غاية لا تُدرك )) ..
إلا أبا حسل !

في إحدى محاضرات الشيخ ( أبي إسحاق الحويني ) قال : 

" أما أبو حسل هذا فهو رجل لا يُغضب أحدا قط ! .. ولا يحل مشكلة قط !
أبو حسل هذا هو الضب ..

" يُحكى أن أرنبا كان في يدها ثمرة فاكهة .. فجاء الديك فخطفها منها وأكلها ..

فقالت : لا بد أن نختصم !

فقال : سَمّ من تشائين نختصم لديه ..

فاتفقا على أن يختصما لدى أبي حسل .. 

فذهبا إلى جحر الضب ونادياه : يا أبا حسل .. يا أبا حسل !

قال : سميعا دعوتما !

قالت : جئناك نختصم ..

قال : في بيته يؤتى الحكم !

قالت : كان معي ثمرة فاكهة ........

قال : حلوة ، فَكُلِيها !

قالت : فخطفها هذا مني فأكلها !

قال : والله ما يبغي إلا الخير !

قالت : فلطمته !

قال : بحقكِ أخذتِ !

قالت : فلطمني !

قال : حرٌّ ، انتصر !

قالت : فجئناك تقضي بيننا !

قال : قضيت ... "


(( نعوذ بالله من أن نذهب مذهب أبي حسل )) ...


» تابع القراءة

| 0 التعليقات ]

ما أشأم الجهل على أهله !
وقديماً قالوا : " ادفعوا الجهل بالعلم ، فما أُتي أحد من شيء مثل ما أُتي من جهله " .

والناس تعرف في كتاب الصحف طائفة لو شاء إبليس لاتخذ فيهم حراساً وآثرهم على من سواهم من أخدانه الجن ، أعطاهم بذل شيطانيته فنفضوا إليه ببذل نفوسهم ، وإن نفوسهم لتسع من الكذب ما يسع النهار من ضوء الشمس !

وآفة هؤلاء في الناس أنهم يتلبسون لبوس العلم في ظاهرٍ يضربون به على باطن هو معين من الجهل لا تنضب ، فإن أنت ألقيت إليهم السمع أوقفتك كل كلمة أو قالة منهم على مواطن النقص فيهم ، وانقلب ظاهرهم الذي يستغشونه لباطنهم مرآة تعكس صورته ، أو انماث كاشفاً عما فيه ؛ وصورته السخف والسفه ، وفيه اجتماع الجهل إلى الكذب .

كلمة من أولئك كانت لكاتب اختص لنفسه الرواية عن أرذال الناس وسقاطهم من كل عاهر وفاجر ، يكتب عنهم ويقص أخبارهم ويتحيل لأحوالهم فيبدلهم من بعد فجورهم تقوى ، وإذا كل ذي رذيلة في الناس هو عنده أكرمهم وأبرهم وذو الفضيلة فيهم .

وكان ممناصا قال : " حدثت مخالفات من الخليفة عثمان بن عفان، الذى لم يعدل بين المسلمين وآثر أقاربه بالمب والعطايا " ، فتلك جناية على عثمان رضي الله عنه لها شقان تستخفي بهما الجناية العظمى ؛ جناية التنقص من قدر عثمان رضي الله عنه ذي النورين المبشر بالجنة ورميه أنه لم يعدل في أمره وهو الخليفة الراشد المهدي .

نحن لا نزعم العصمة لعثمان ولا لغيره من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لا يزعمونها هم لأنفسهم ، ولكن أمر التاريخ كما يقول القائل :

والدعاوى إذا لم تقيموا عليها *** بينات أصحـــــابها أدعيـــاءُ

فليقم لنا الكاتب بيّناته على دعواه وإلا فهو مدعٍ كذوب يتكلف من أمره ما لا يحسن ويريد نفسه على ما فيه متلفها ومهلكها ونعوذ بالله من الخذلان !
ولست بسبيل ذكر مناقب عثمان رضي الله عنه ، فلو سئل عنه تلميذ الابتدائية ومن دونه لعدها له منقبة منقبة ، ولكن فليعدد لنا الكاتب أقارب عثمان الذين آثرهم بالولاية على المسلمين الذين هضمهم فيها حقهم !

ولكنا نقدم بين يدي ذلك مسألة للكاتب : ما وجه العدل عندك فيما ترى عثمان قد حاد عنه ؟ وما صورته ؟ وكيف كان على عثمان أن يعدل بين المسلمين في أمر الولاية ؟ أكان عليه أن يداولها بين الناس جميعاًِ حتى يستوي لديك عثمان عادلاً ؟ وكم كان ولاة عثمان رضي الله عنه وكم ولّى من أقاربه ؟

لقد مات عثمان رضي الله عنه وأقاربه في الولاية ثلاثة هم من خيرة الصحابة يومئذ ، ولم يستعمل في الولاية من أقاربه إلا خمسة من عشرين ونيف هم عدة ولاته في خلافته ، وقد كان له في استعمالهم أسوة حسنة بسابقيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ومن قبلهما رسول الله عليه صلوات الله وسلامه ، فالطعن على عثمان رضي الله عنه في استعماله ذوي قرابته إنما هو طعن على من قد كان استعملهم قبله وإن لم يكن ذلك مراده فيما كتب .

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم من بني عبد شمس - وهي قبيلة عثمان - أكثر مما استعمل من غيرهم فقد كانوا كثيرين ، وفيهم شرف وسؤدد ، وحسبك بمن يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم ويأتمنه على النور الذي أُنزل إليه ، أتكون من بعدُ مثلبة أو منقصة فيمن يسارع فيهم ويرضاهم ؟! وما له لا يرضاهم وقد رضيهم من قبله محمد صلى الله عليه وسلم ؟

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم عتّاب بن أسيد بن أبي العاص على مكة ، وأبا سفيان بن حرب على نجران ، وخالد بن سعيد على صدقات بني مذجح ، وأبان بن سعيد على بعض السرايا ثم استعمله على البحرين ، ومن بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فاستعمل أبو بكر يزيد بن أبي سفيان في فتوح الشام وأقره عمر ، ثم ولّى عمر بعده معاوية أخاه .

فكان من ولاهم عثمان من بني قرابته مدة خلافته خمسة هم معاوية وعبد الله بن أبي السرح والوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر ، ومات عثمان وقد عزل الوليد بن عقبة وسعيد بن العاص ، فأنت ترى أن أمر توليتهم كان إلى نقص لا إلى زيادة ، فكيف هي المحاباة والأثرة ؟

ولو نظرت في سير من ولّاهم عثمان رضي الله عنه لم تجد إلا ذوي فضل وكرامة أحسنوا سياسة الناس وكفوا ووفوا ولست بمقام سردٍ لكريم خصالهم وفعالهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعد موته ، وأخبارهم منثورة في الكتب ، ولكن العقل ضيق والبصر أعور !

وهب أن من هؤلاء من لم يرضه الناس حكماً لهم ولم يقوموا على رعيتهم بحق الله فيهم ، أفترى عثمان رضي الله عنه كان يعرف منهم ويسكت عنهم ؟ فكيف وقد عزل منهم أبا الوليد وسعيداً لما بدا له من أهل الكوفة سخط عليهما ، ولا غرو ، فهم أهل الكوفة الذين اتهموا من قبلهما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في دينه فقالوا : " لا يحسن يصلي " ، والقصة معروفة مشهورة !

هل آن لمعين جهل الكاتب أن يجف ؟ أو آن له أن يسكن فيعود رهواً لا يفور ؟ كلا ، ولو كان للشمس أن تأفل أو تغيب ، فليس لمعينه أن تنضب أو تغور .

أوغل الكاتب في إفكه وبهتانه ولم يشف غيظه ما خطت يده . قال : " ثم أقام معاوية بن سفيان -كذا- حكما استبداديا دمويا - كذا كذا - أخذ فيه البيعة من الناس كرهاً - كذا كذا - لابنه يزيد من بعده ليقضى إلى الأبد - كذا كأنه قضاء الله ! - على حق المسلمين فى اختيار من يحكمهم ويحيل الحكم من وظيفة لإقامة العدل إلى ملك عضوض " . علم الله لو نطق التاريخ على هؤلاء لاستحالت كلماتهم تنزل على رؤوسهم لعناتٍ طباقاً ! ولو قام حكماً على هؤلاء لأقام من صحيفته " ميدان تحرير " تهدر فيه كلماته أن : " قطع الله لسانك وأراق حبرك وكسر قلمك " .

ولقد صدق من قال : " الكفر ملة واحدة " ، وأزيد : " ومسلكه واحد هو الكذب " ، كذب في الدين للرافضة وكذب في التاريخ للكاتب وللرافضة جميعاً .

سلك الكاتب مسلك الرافضة وسارع إلى رواياتهم وأحاديثهم والرافضة أشد الناس كذباً على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أفيصدهم عنه منزلة وإن كانت بمنزلة صالح المؤمنين ؟!

معاوية رضي الله عنه خال المؤمنين وكاتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم الذي دعا له فقال : " اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به " وقال : " اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب ، وقه العذاب " أيكون ذلك جواب الله لدعاء نبيه فيه ؟! إذن لم تبق بعدُ نبوة ولا كتاب ! وذلك لعمري مقصد الطاعنين فيه .

لكن ما قول الكاتب في عمر بن عبد العزيز ؟ أتراه يتنكب في التاريخ سبيله ويقلبه على عقبيه ويأتي منه بما لم يذكره فيه كتاب قط لا سني ولا شيعي فيدعي أنه كان ظالماً ؟ لم يفعل الكاتب ، ولم يزد على الذي قالوا فيه : أن لو كان الراشدون خمسة لكان خامسهم عمر .

فليسمع الكاتب إذاً قول ابن المبارك رحمه الله حين سئل : " معاوية خيرٌ أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : ترابٌ دخل في أنف معاوية رحمه الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز " وهو عمر ! وقال : " معاوية عندنا محنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم ( يعني الصحابة ) " .

واسمع أيها القاريء لقول العالم الذي قوام كلامه الحجة والبرهان ، ثم قابِل بكلامه سخف هذا الكاتب يستبن لك التاريخ وينطق على كليهما بالحق .. يقول ابن خلدون رحمه الله : " والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه ، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس ، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل و العقد عليه - و حينئذ من بني أمية - ثم يضيف قائلاً : و إن كان لا يُظَن بمعاوية غيرُ هذا ، فعدالته و صحبته مانعة من سوى ذلك ، و حضور أكابر الصحابة لذلك ، وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب منه ، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة ، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق ، فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك ، و عدالتهم مانعة منه " فانظر قوله عن الصحابة : " فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة... إلخ " وقابلها بتخليط الكاتب في قوله إن معاوية أخذ البيعة ليزيد كرهاً ! فيوشك أن يكون الكاتب معرة التاريخ إن كانت للتاريخ معرة .

ويقول رحمه الله في موضع آخر من مقدمته : " عهد معاوية إلى يزيد ، خوفاً من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم ، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه ، مع أن ظنهم كان به صالحاً ، ولا يرتاب أحد في ذلك ، ولا يظن بمعاوية غيره ، فلم يكن ليعهد إليه ، و هو يعتقد ما كان عليه من الفسق ، حاشا لله لمعاوية من ذلك " اهـ ، ورحم الله العلم والعلماء !

نحن لا نطلب من هذا وضربائه أن يقوم على نفسه فيأخذها بما يَحسُن فإن ذلك على هؤلاء عزيز ، ولكنا نطلب إليه أن يقوم عليها فينهاها عما لا تُحسِن ، وقد قالت الحكماء : " من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب " ومن معاني العجائب أن يدير من مرت بك حاله لسانه بالسوء في أشراف القوم وساداتهم ومن لم يقم أمر الدين إلا بهم .. لكنه الجهل حين تنزل مشأمته بساحة الذين يسارعون فيه .

كان ذلك أبعد ما شط الكاتب في شأوه من مقالته ، وقد نحى في بقية كلامه هذا المنحى من الخلط العجيب من التقول على أيام الخلافة الإسلامية ، فركب الشطط ولم يتورع عن الكذب يزجي به جهله ، وحسبك من الجهل امرؤ يقول : " إن أول خلفاء بني العباس لُقب بـ ( السفاح ) من كثرة ما سفك من الدم " .. وإنما كان اسمه " السفاح " لكثرة عطاياه في الناس. جاء في لسان العرب : " ورجل سفاح : معطاء - والسفاح : لقب عبد الله بن محمد أول خليفة من بني العباس " .

قال الصولي : " وكان السفاح أسخى الناس ما وعد عدة فأخرها عن وقتها ولا قام من مجلسه حتى يقضيه وقال له عبد الله بن حسن مرة سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط فأمر بها فأحضرت وأمر بحملها معه إلى منزله " اهـ

وقال الذهبي رحمه الله في السير : " قال الصولي : "وكان يُضرب بجود السفاح المثل" " اهـ

فانظر هل يُؤخذ من هؤلاء علمٌ أو يُعرف منهم تاريخ ؟ فأنت ترى سبيل العلم مظلماً مستوحشاً إن سلك فيه أمثال هؤلاء ممن لا يعرفون من معاني الحياة إلا نصف جسومهم الأسفل .

ولا يضرك منه إنكاره الخلافة الإسلامية ، أو مماراته في عودتها ، فإنما هي عندنا حقٌ ، وعدة وعدنا إياها من لا ينطق عن الهوى القائل : " ثم تكون خلافة على منهاج النبوة " ، فلتكونن ولو تمارى فيها المتمارون وأجلب بخيلهم ورجلهم المبطلون .

فهذا ردنا على ضلالات الكاتب وما إياه أردنا ، ولا بخاصته نعبأ به ، ولكن امتثالاً لقول أحمد بن حنبل رحمه الله حين بلغه مثل قول الكاتب في معاوية رحمه الله ، فقال : " هذا قول سوء ردي ، يُجانَبون هؤلاء القوم ، ولا يُجالَسون ، ونبين أمرَهم للناس " ..
» تابع القراءة